أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

43

العقد الفريد

فأبلغ إن عرضت بني كلاب * فإنّا نحن أقعصنا بحيرا « 1 » وضرّجنا عبيدة بالعوالي * فأصبح موثقا فينا أسيرا أفخرا في الخلاء بغير فخر * وعند الحرب خوّارا ضجورا يوم دارة مأسل « 2 » : لتميم بني قيس غزا عتبة بن شتير بن خالد الكلابي بني ضبة ، فاستاق نعمهم ، وقتل حصين بن ضرار الضبي ، أبا زيد الفوارس ، فجمع أبوه ضرار قومه وخرج ثائرا بابنه حصين ، وزيد الفوارس يومئذ حدث لم يدرك ، فأغار على بني عمرو بن كلاب ، وأفلت منه عتبة بن شتير وأسر أباه شتير بن خالد ، وكان شيخا كبيرا أعور ، فأتى به قومه ، فقال : يا شتير ، اختر واحدة من ثلاث . قال : اعرضها عليّ . قال : إمّا أن تردّ ابني حصينا ! قال : فإني لا أنشر « 3 » الموتى ! قال : وإمّا أن تدفع إليّ ابنك عتبة أقتله به ! قال : لا ترضى بذلك بنو عامر : أن يدفعوا فارسهم شابا مقتبلا بشيخ أعور ، هامة اليوم أو غدا « 4 » . قال : وإمّا أن أقتلك قال : أما هذه فنعم ! قال : فأمر ضرار ابنه أدهم أن يقتله ، فلما قدمه ليضرب عنقه ، نادى شتير : يا آل عامر ، صبرا « 5 » بصبيّ ! كأنه أنف أن يقتل بصبي ، فقال في ذلك شمعلة في كلمة له طويلة : وخيّرنا شتيرا في ثلاث * وما كان الثلاث له خيارا جعلت السيف بين اللّيت منه * وبين قصاص لمّته عذارا « 6 » وقال الفرزدق يفخر بأيام ضبة : ومغبوقة قبل القيان كأنها * جراد إذا أجلى على القزع الفجر « 7 »

--> ( 1 ) أقعصه : قتله مكانه ( 2 ) دارة مأسل : ماء لعقيل ( 3 ) أنشر : أحيي ( 4 ) هامة اليوم أو غدا : يموت اليوم أو غدا ( 5 ) أي أقتل صبرا ، والصبر : نصب الإنسان للقتل ( 6 ) القصاص : الناصية . والليت : صفحة العنق . والعذار : جانب اللحية ( 7 ) المغبوقة : الخيل تؤثر بالغبوق ، وهو شرب العشي . وأجلى : وضح . والقرع : السحاب المتفرق